كن نسمة طيبة

أذكر عندما كنت في الصف الثاني الابتدائي، وأنا أجلس في ساحة المدرسة في وقت الفسحة، وتلك الزميلة تقول لي: أرأيت هذه المدرسة المستأجرة؟ كانت بيتًا لعائلة قتلهم أبوهم جميعًا، على مدار اليومين وهي تحشرني في زاوية تلك المدرسة، وتحكي لي تفاصيل تلك الجريمة الشنعاء! وكيف أن أباهم أدخل عصا المكنسة في رؤوسهم!! وأنا أستمع بإنصات، وخيالي يحلق بالمشاهد، وروحي تموت من القهر، والرعب يسكنني! في حياتي كلها لم أدرك الوجع إلا في تلك اللحظة!

معلومة واحدة بإمكانها أن تنقذ إنسانًا أو تميته، أو تفرحه أو تحزنه! معلومة واحدة تلبسه مشاعر لا يحبها ولا يريدها! كنت عندما أدخل من باب المدرسة، وأتذكر أن هذا البيت مات فيه أشخاص قتلهم أبوهم، أشعر بالألم والحزن، قضيت أيامًا وأنا في الفسحة، تتيبس الخبزة في يدي ولا آكلها! أقول: لماذا لم يهربوا من هنا؟ ولماذا لم يفعلوا كذا وكذا؟ قضيت أيامًا وشهورًا أوجد الحلول لأشخاص ماتوا!

مرت علي أيام عندما كنت أسير في أسياب المدرسة ولا يوجد طالبات، ألتفت للخلف، أتوهم أن أحدًا سيؤذيني! وأذكر أنني مرة استيقظت ليلًا، ثم تذكرتهم، وجلست حتى قرب أذان الفجر أشعر بالألم على قصتهم، وأقول: لماذا لم يهربوا!

هل كانت تلك الزميلة تكذب علي، وخيالها الخصب أوجد تلك القصة! هل سمعتها من أحد، وكانت تستمتع بتبهيرها، وهي تبث هذه القصة الموجعة إلى روحي، لا أعلم، لم ينقذني من وجع هذه المدرسة إلا أنني انتقلت لمدرسة قريبة من بيتنا، فتحت لتوها

عندما كبرت وتأملت طفولتي، أدركت أنني كنت أتوجع للناس توجعًا حقيقيًا، وكان ذلك جزءًا من شخصيتي، أذكر وأنا طفلة وأمي تتلو علينا أوامرها، عندما يحضر والدي وتقول لنا: (ولا نفس)، وكأننا في بركة سباحة نلفظ أنفاسنا بالتقصيد حتى لا تغضب منا أمي!

عندما كان يعود والدي من أعماله الساعة 9 ليلًا، وأمي تجهز العشاء، أجلس معه أمام التلفاز وهو يستمع للأخبار، وقتها سمعت بحرب الشيشان وما حل بهم، وما زلت أذكر ذلك الخبر الذي يلقيه المذيع، عن أن الروس يشقون بطون النساء الحوامل، ويستخرجون الأجنة، ويضعون بدلًا منهم القطط، ويخيطون بطونهن! لا أعلم عن صحة تلك المعلومة، وهل كانت مبالغات من الأخبار ذلك الوقت، لكنني سمعتها، وشكلت لي رعبًا نفسيًا في طفولتي!

وأيضًا أذكر انتفاضة فلسطين، وما زلت أذكر مشهد ذلك الرجل الذي أمسكوا به الجنود الإسرائيليون، وكسروا يده على مرأى الكاميرات!

لذلك كنت أتوجع على ما يحل بالناس، وكرهت نفسيًا كل أذية تقدم للإنسان، أذكر عندما كان في الفصل شخص ينبذ، ويسيء له الآخرون، كنت أكون بالقرب منه، وما زالت مشاهد عالقة في ذاكرتي، أذكر في الصف الثالث الابتدائي كانت معنا طالبة وأختها، وأختها أكبر منها سنًا، ولديها إعاقة وملامح وجهها متغيرة قليلًا، وتتحدث بثقل، وأظن مستواها العقلي متأخر، يعني هي كانت ربما بعمر الخمسة عشر، لكن عقلها يصلح لصف الثالث، وكان الغالب في الفصل ألا أحد يتحدث معهما، وكنت أجلس معهما، وأتحدث وكأن لا شيء فيهما يستدعي عدم الحديث معهما،

أذكر أيضًا عندما كنت في الصف السادس الابتدائي، كان معنا طالبة كبيرة في السن، أظن عمرها كان في العشرين أو تجاوزته، ولأنني كنت طويلة، فكان التنظيم المدرسي يرسلني للخلف دائمًا! وكانت تجلس بجانبي، وكنت أتحدث معها وأشاركها الشرح والدروس وكل شيء، بعكس طالبات الفصل، اللاتي كن قليلا ما يتحدثن معها

العجيب في هذه الطالبة أنها يومًا، على رغم لطفي معها، ظلمتني! فقد كان مستواها الدراسي متدنيًا، ولعل المعلمات أخبرن المشرفة الاجتماعية عن وضعها، ولعلها أخبرتها أنها لا ترى السبورة، فقامت المدرسة بتفصيل نظارة لها، ربما ظروفهم المادية صعبة

وجاءت في ذلك اليوم تلبس النظارة، وكنت أقف في ساحة المدرسة مع صديقة لي أيضًا معنا في الفصل، وسألتنا عن رأينا في النظارة، فقلت لها: جميلة، لكن من باب الصدق قلت لها: لو لم تكن حمراء فقط، هذا كل الذي قلته، صديقتي وكانت معروفة في المدرسة بالمشاغبة وطولة اللسان، مباشرة قالت لها: من زينها، شوفي وجهك كيف صاير، من هذه الكلمات الجارحة وطبيعة صديقتي تلك الضحك، وهي تقول عباراتها الجارحة، لعلها نزعتها ولم تعد ترتديها، وعندما سألتها المشرفة: لماذا لم تلبسيها؟ قالت: البنات يضحكون علي!، سألت المشرفة: من هؤلاء البنات؟! قالت: أسماء

ما زلت أذكر المشرفة وهي تفتح باب الفصل في الحصة الأخيرة، وتسأل عني، ثم قالت بصوت عالٍ: ما تستحين على وجهك وأنت تعيبين على نظارة صديقتك وتضحكين، قالت كلامًا كثيرًا، ثم التفتت لطالبات الفصل جميعًا، وقالت: ،يا ويلكم لو أشوف أحد يكلمها في الساحة أو في الفصل، وخرجت! كنت في صدمة كبيرة، أذكر جمعت أغراضي عندما دق الجرس، وذهبت للساحة واستندت على الجدار، وأنظر في الساحة، والطالبات يسرن في كل اتجاه، وخيل لي أن كل طالبات المدرسة بأكملها يعلمون بالأمر، وأنني أصبحت طالبة منبوذة!

أحاول تصديق الأمر وتكذيبه، وأعد الثواني ليفتح باب المدرسة لأذهب للبيت، وكنت وأنا طفلة صغيرة، عندما أكون في المدرسة وتمر بي مواقف صعبة، أحادث نفسي: سينتهي هذا الوقت وستعودين للبيت يا أسماء،

ومن العجيب عندما كبرت، وجدت أن ملكًا طلب من وزيره أن ينقش على خاتمه عبارة، إن كان حزينًا تفرحه، وإن كان فرحًا تحزنه، فنقش عبارة: (هذا الوقت سيمضي)

وهذه الحكمة نافعة أن تحدث نفسك عندما يحل بك ما يؤلمك أو يؤذيك، أن الوقت سيمضي، ولن تبقى في هذه اللحظة المؤلمة!

كان أقسى ما فكرت به في لحظتها أنني أعلم أنني سأعود للبيت، لكن سيبدأ من الغد نبذي وعدم الحديث معي في المدرسة!، فكيف أنتظر كل هذا الوقت للغد!

ما إن فتح الباب وخرجت مع الباب حتى ضرب الله على ذاكرتي، وأنساني كل شيء! ذهبت لمنزلنا وكأن شيئًا لم يحدث، وذهبت للمدرسة من الغد ولا أذكر شيئًا، ولم أر من الطالبات ما يجعلني أتذكر قصة نبذي وعدم الحديث معي، مر اليوم بشكل طبيعي، والطالبات أيضًا نسين الأمر!

ما إن خرجت من باب المدرسة في الظهر، إلا وأتذكر ما حدث معي! ثم تملكني الرعب، ثم هدأت من روعي، واسترجعت أن الأمر مضى بشكل طبيعي، ولم ينبذني أحد ولم يحدث ما يؤذيني!

وصديقتي تلك، في بادئ الأمر كنت غاضبة منها لظلمها لي، لكن كنت متفهمة لماذا اختارتني ولم تختر صديقتي؛ لأنها تعلم أن صديقتي ستعاديها، وستتلفظ عليها، ولن تتركها طوال السنة، واختارت الجانب الأسلم لها، وهو أن تقول للمشرفة عني!

وكثيرًا ما أذكر هذه القصة لمن حولي لأبين لهم أن البعض ربما يختار ظلمك ليس لكراهية لك، بل لأنك الجانب الأكثر أمانًا له، عندما يوضع في مأزق وتكون الخيارات الأخرى أشد عليه منك!

ربما المحزن في القصة هو تصرف المشرفة، كيف استطاعت فرض هذا العقاب المؤذي على طفلة صغيرة؟ لنفترض أنها أخطأت، أليس هنالك طرق أفضل من تلك الطريقة؟ تلك الطريقة مدمرة لنفسية الطفل،

وهذا الموقف يذكرني بموقف معلمة اللغة العربية، عندما كنت في الصف الرابع، وكنت طفلة كثيرة الخيال، وكما قلت، أن كثيرًا من الأشياء مثل إحساسي بالناس كان نابعًا من شخصيتي، ومعي من طفولتي، فالأدب والخيال كان معي منذ طفولتي،

أذكر أنني كنت أنسج قصصًا في مخيلتي، وأحادث نفسي أنني أكتب قصة، العجيب أنني كنت أسير في صالتنا كثيرًا وأنا طفلة، وأرسم تلك القصص! ومن عادتي عندما كبرت وأريد الكتابة أن أمشي! وكأن المشي يشحن شيئًا في رأسي، أو عندما أسير تنبع الكثير من الأفكار في رأسي،

ولأن حصة المطالعة قصص ومقالات أدبية، وأحبها، كنت أسرح بخيالي وأرسم ما يُقرأ. تنبهت لي المعلمة أنني لا أتابع في الكتاب، وأنني محلقة في خيالاتي! فصرخت علي صرخة عالية، ارتجفت لها كل جدران الفصل، وتساقطت شخصيات قصتي من رأسي!

وقالت لي صارخة: تبعي، بعد شوي بخليك تقرئين

ولأن صرختها أرعبتني وصمت أذني، لم أستطع معرفة أين وصلوا، ولم أستطع سؤال زميلتي التي بجنبي من الخوف

فجأة قالت لي: إقرئي! ولم أعرف من أين أقرأ! صرخت علي مرة أخرى، وقالت لي: انزلي للمديرة!! كانت المديرة في زماننا شيئًا مرعبًا

حتى أننا يومًا كنا نصلي جماعة في ساحات المدرسة في رمضان، وكانت المديرة تصرخ فوق رؤوسنا، وعجزت أن أخشع وتسمرت عيني في الأرض، جاءني الشيطان وقال لي: هل تخافين المديرة أكثر أم ربك؟!

وكان هذا أول سؤال عقدي هز كياني!

وكنت وأنا طفلة في الصف الثاني الابتدائي لأول مرة أسمع باب الإحسان: (اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فتلبسني شعور جميل ملأ روحي، وأحببت الحديث، وكنت أذكره طوال الدراسة

وعندما ذهبنا للإجازة أنسيته، ولأنني عدت السنة، لأن أخي صار عليه حادث ولم أمتحن، وسمعت هذا الدرس مرة أخرى، تلبسني نفس الشعور الجميل الذي سكن روحي!

ها أنا والشيطان والمديرة نتقاتل! لكن تعرف يا رب أني أحبك!

نزلت من الدرج لغرفة المديرة، وأنا أمسك قلبي بيدي الصغيرة أن لا يفلت مني! وعندما وقفت عند باب المديرة لم أجدها في غرفتها، ووقفت أنتظر، وإذا بأم أم صالح، كنا نسميها (الفراشة)، ولا أعلم لماذا أطلقنا عليهم هذا المسمى، هل للفرش دخل، هل للعصي دخل، هل للفراشة التي تطير دخل.. لا أعلم! كل الذي أعلمه أنها سألتني: ماذا تريدين يا بنتي؟

قلت: المديرة

قالت: لماذا؟

قلت: المعلمة أنزلتني لها

قالت: لماذا؟

قلت: لأنني لم أتبع معها

ما زلت أذكر معالم النقد على وجهها! ثم اقتربت مني، وأمسكت بكتفي، وقربت وجهها مني، وأخذت تنظر في عيني، وكل ملامحها تخبرني أن أعود، ولا أنتظر، وأن أقول للمعلمة إنني لم أجد المديرة!

صعدت الدرج وأم صالح خلفي، تنظر لي وتشجعني على العودة بسرعة، وكأنها تخشى أن تعود المديرة وتراني

دخلت على المعلمة في الفصل، وقالت لي: لماذا عدت؟ هل ذهبت للمديرة؟

قلت: نعم، ولكن لم أجدها

ما زلت أذكر معالم القهر على وجهها!

هذه المعلمة والمشرفة يملكون شهادات، لكن للأسف فاشلون بكل ما تعنيه الكلمة! أما أم صالح الفراشة، فكانت دكتورة بالفكر، وملكة بإنسانيتها، وهذه ثمرة العلم الحقيقي! أن تحسن التصرف، وأن يحيا بداخلك حسك الإنساني!

ربما يتساءل البعض: أين أمي من تلك الحكايات؟ ولماذا لم أخبرها؟

أمي، أم سلسة مع أبنائها، لم تكن كوالدي، مهابًا لا نستطيع الحديث معه، وأعلم أنها ستأخذ بحقي، فقد كانت شخصيتها قوية ومتحدثة، لكن كنت طفلة كتومة ولا أتحدث بما يحدث لي، وأحل مشاكلي لوحدي

وربما حكمت الله اقتضت ذلك؛ لأنني بعمر الثامنة عشرة توليت أمر عائلتي، وكافحت الحياة وحدي، لكن عندما أتذكر تلك المواقف وأنا كبيرة، كنت أرى رحمة الله ترعاني

لذلك كرهت الظلم وأهله، وكرهت اغترار الإنسان بحق أخيه الإنسان وأذيته له

في عالم تويتر، عندما أتأمل من فيه، وهم يحسبون على أهل الثقافة والعلم، فعامة الناس منشغلون عن تلك المواطن، وكل من دخل هذا العالم لديه رغبة في المعرفة أو نشرها! لكن عندما ترى تصرفات البعض منهم، تتساءل: ماذا تركوا للجهال!

وكثيرًا ما أشعر بالألم، وكل ما أخشاه أن الإنسان سيحاسب عندما يرى الظلم أمام عينيه ولا ينتصر لأخيه، ويمر عليه وكأنه لا يرى

والإشكالية الأخرى، كراهية الجدل والنقاش الذي لا فائدة منه، سوى شحن القلوب فقط

مع مواقع التواصل، الظلم صار كسرعة الضوء! وفي كل ثانية يقع ظلم!

فلا تكن ظالمًا، وانتصر للمظلومين قدر استطاعتك، لعل الله يرحمنا عندما نرفض الظلم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Scroll to Top