صديقتي التي أحب

تشير الساعة الآن إلى الساعة السادسة والربع صباحًا وأنا أكتب تلك الكلمات، وأنا عائدة للمنزل اتصلت بها، وقلت لها ضاحكة: منذ زمن بعيد لم أعد للبيت وقد أشرقت الشمس! أردفت قائلة: لكن لعيونك نفعل كل شيء. تضحك وتدعو لي، أطمئنها أنني وصلت البيت، أدعو لها وأودعها، وأجد لدي رغبة للكتابة عنها، وعن أشياء تزدحم في رأسي!

أذكر تلك اللحظات وأمي رحمها الله تمشط شعري الطويل، وتضع في شعري تلك الشرائط البيضاء، تلبسني تلك الأبّة البيضاء المزخرفة، وحقيبتي، وتعطيني تلك الساندويتشة ومعها مصروفي، تأتي وتقول لها أمي أن تنتبه لي في يومي الأول في المدرسة، نركب مع السائق، وعند باب المدرسة تمسك بيدي لأدخل لعالم جديد بالنسبة لي، ما إن دخلنا حتى دق جرس المدرسة، أخذتني لطابور المخصص للصف الأول، أمسكت بيد إحدى البنات ووضعتها في يدي وقالت: أنتم الآن أصدقاء. ابتسمت ورأيتها تذهب بعيدًا لطابورها المخصص للصف السادس وتصف فيه، وأنا أنظر إليها وهي ذاهبة، جاءت بنت وفكت يدي من تلك البنت ووضعت يد أختها وأعادتني للخلف، نظرت لطابورها وكنت أريد أن أذهب إليها لأخبرها، ثم قررت أن ألتزم الصمت!

ذات يوم كنت عائدة من بيت عماتي، وأسير في الشارع وقابلتني، كنت وقتها في السادسة من عمري، وهي في الحادية عشرة من عمرها، سألتني لماذا أسير في الشارع ومن أين عائدة، أخبرتها من عند بيت عماتي وأن أبناءهم طردوني! قالت لي: الحقي بي. وأنا أسير خلفها قالت لي: اطرقي الباب، وقولي سأدخل عندكم. فعلت ما قالته، لكنهم من خلف الباب أخبروني أنهم لن يفتحوا الباب ولا يريدونني! قالت لي بصوت خافت: أعيدي طرق الباب وقولي أريد أن أحادثكم. بعد جهد فتحوا الباب وخرجت لهم فجأة، وقالت لهم: لماذا طردتموها؟ قالوا لها: لا نريدها! لكنها حاولت أن تصلح ما بيننا، وقالت: هي أختكم والعبوا مع بعضكم، وأخذت تعطيهم من العبارات التي ترقق قلوبهم، لكنهم أصروا على أن يطردوني! عندما رأت رفضهم الذي لم يعجبها، قامت بضربهم جميعًا، وقالت لي بصوت عالٍ: أهربي، وهربت أنا وهي ونحن نضحك، شعرت بشعور جميل، شعور أن لي أخت تدافع عني!

عندما كبرت وكان لي عالمي الذي صنعته من أغنيات، ومجلات، وكتابات، وفن، عندما نسافر للمزرعة أضع مختارات من تلك الأشرطة والمسجل والمجلات، ودفاتر وأقلام، كانت لدي حقيبة خاصة بكل ذلك، أجلس أنا وهي نقلب تلك الصفحات ونسمع تلك الأغنيات.

ذات يوم قالت لي: ما رأيك نقوم بعمل لقاء؟ أنا شاعرة، وأنت مذيعة، ونقوم بتسجيل ذلك اللقاء على شريط كاسيت. قربت مجلة فواصل والمختلف ومجلات الشعر، وأخذت تختار قصائد، وأنا أمسكت بقلم وأكتب أسئلة اللقاء، ونحن نضحك ونخطط لهذا اللقاء. قالت لي: ماذا عن الأسماء؟ يجب أن نختار لنا أسماء. رست هي على اسم المها، ورسيت أنا على اسم الوصايف!

كان جل اللقاء ضحكًا، وإعادة لتسجيل، ثم قالت لي: ما رأيك نتوقف قليلًا ونذهب نتمشى بين المزارع قبل غروب الشمس؟ ذهبت أنا وهي، وعندما عدنا، كان عمي يقف في وسط غرفتنا يشاهد المجلات المتناثرة، والأشرطة، وقد نادى والدي يريه هذا المشهد!

عندما دخلنا سأل عمي: لمن هذه المجلات والأشرطة؟ قالت لأسماء. لم أعتب لأنها قالت إنها لي، لأني أعرف عمي لا تعجبه تلك الأشياء، ووالدي أرحم من والدها ، وحقيقة أنني لم أخف، خوفي كان أن تُؤخذ المجلات والأشرطة، أما ماذا سيفعل لي والدي أو سيقوله فلم أهتم. لم يقل لي والدي سوى: وأنا أبوك، اتركي هذه الأشياء. ومن نغمة صوته شعرت أنه يجامل عمي، ربما والدي كان منشغلًا بأمور أكبر، وشعر أن عمي ناداه على شيء لا يستحق!

عندما خرج عمي وأبي، وهم لم يأخذوا الأشرطة والمجلات، لم نصدق ذلك، ووأدنا ذلك اللقاء وهو لم يولد! وأخفينا كل شيء. ذهب ذلك اللقاء بكل ما فيه، لكن بقيت معنا الأسماء كنوع من الضحك، ننادي بعضنا البعض في بعض الأحيان، ونسجل تواقيع بها كنوع من الذكريات إن كنا مع بعضنا البعض.

بعد رحيل عمي ومرض والدي باعدت الحياة ما بيننا، وخاصة ما مرت به هي من ظروف، وكنت أحترم رغبة أهلها في البعد.

ذات يوم كنت أستذكر ذكريات مراهقتي والتي كانت تجمعني بها، قالت لي إحداهن بما معناه: أين هي الآن عنك؟! قلت لها: أرأيت آل لفاء كلهم عن بكرة أبيهم؟ هم في كفة، وهي في كفة لوحدها. أرأيت لو أمسكت رقبتي ووضعتها على الصفات ونحرتها، والله ما سألتها لماذا؟!! قالت لي: هذه المرأة لهذه الدرجة؟ قلت: نعم لهذه الدرجة وأكثر! قالت: أنت تحبينها حبًا غير مشروط!

صمت، كل جوارحي، وكل ذرة من روحي آمنت بمحبتها لي، ولم أشك يومًا قدر أنملة! ولم يبعدها عني سوى مرضها، وعندما تفيق مما تمر به، أول شخص تبحث عنه أنا، تبحث عني حتى تجدني وتقولي لي: أريد رؤيتك. ويومًا لم أتأخر عن رؤيتها! وأقول لها: غيبي بقدر ما تريدين، ولا تعاتبي نفسك أبدًا على هذا الغياب، ستجدينني أنتظرك في كل مرة. تقول لي: أنت الوحيدة التي لم تتغير عليّ.

تعلم ما في نفسي لها، وأعلم ما في نفسها لي. قبل فترة دار سؤال في مساحة عن: هل البعيد عن العين بعيد عن القلب؟ وغالبهم نفوا الأمر، وأخذوا يضربون الأمثال بأناس بعيدين عنهم، ما إن يرونهم وكأنهم بالأمس مع بعضهم البعض، وحقيقة لديهم خلط كبير.

الأشخاص الذين ستضعهم النفس في منزلة عالية ستطالبهم النفس بأمور كثيرة، وستعتب وستتضايق.. إلخ، إن لم يكن للغياب أسباب مقنعة! لكن إن كانت هذه النفس المقدرة، والتي مقامها عالٍ، مبتعدة عن قصد، ومستهينة بتلك النفس، مع الوقت ستعتاد تلك النفس البعد، وخاصة أنها ترى الشخص مستهينًا بها، لذلك ستدخل النفس مراحل محاسبة وتقدير لذات.. إلخ، وستتلاشى المشاعر تدريجيًا.

من تقابله بعد سنين وكأنك بالأمس رأيته، هو شخص عادي تحبه، تقدره، لكن لم تضعه نفسك في منزلة عالية يخضع لمتطلباتها!

رغم بعدها لم يتغير حبها أبدًا، لأنني أعرف أسبابها وأعرف أن الظروف أقوى منها، قد تدخل النفس أوهامًا كثيرة، ويختلط عليها الأمر، ولا تدرك كثيرًا من المشاعر، خاصة إذا كانت واقعة تحت وطأة ظروف قاسية!

خلال تأملاتي الدقيقة، أدق دليلين على أنك تحب الشخص أو يحبك، أن نفسك تراعيه جدًا وتحرص على روحه، وتقدمه على روحك وتنسى نفسها معه!

هذه السنة أفضل سنوات التواصل ما بيني وبينها، وخاصة الأشهر الأخيرة. تقول لي في لحظات: أود الحديث معك، لكني أخشى أن تكوني تقرئين، ولا أحب أن أقطع قراءتك. وأنا أود أن أحادثها وأقول في نفسي: أخشى أنها في لحظات تعب، تريد أن تنشغل مع نفسها، وعندما أحادثها، ولأنها تحبني، أدخلها في شعور صعب، فلا أريد أن تضغط على نفسها. أخبرها أنني أترك الأمر لتحادثني في أي وقت هي تريده، وأنني سأترك كل شيء من أجلها، وسأكون سعيدة في تواصلي معها.

في يوم الخميس الماضي كنت في منزلها، وضعت يدها على رأسي وقالت لي: أريد أن أقرأ عليك القرآن. تعلم ما يمر بي من تعب، نسيت نفسها وتعبها وتود لي الشفاء. هكذا أنا أيضًا مع أحبابي، تمر بي ليالٍ أناجي الله: إن كان لي من دعوة مستجابة فلتكن لأحبابي، وكثيرًا ما خصصتها بالدعاء، وهكذا المحب الحقيقي ينسى نفسه أمام أحبابه!

من يحترم الجميع ولا يحترمك، هو لا يحبك.

من يقدم أخلاقه للجميع ولا يقدمها لك، هو لا يحبك.

من يقدر الجميع ولا يقدرك، هو لا يحبك.

من يراعي الجميع ولا يراعيك، هو لا يحبك.

من يحبك ستكون أنت المهم في كل تعاملاته، والناس يأتون من بعدك.

وشعوره وقلقه مرتبط بك أنت، حتى النسمة  يود أن لا تؤذيك!

يوجد عتب، لا أحد كامل في المشهد، عتبت أمنا عائشة رضي الله عنها على رسول الله، ومن مثل محمد عليه صلوات ربي وسلامه!

لكن هنالك أذية، هنالك إهانة.. إلخ، أفعال خالية من معاني الحب تمامًا!

قررنا  أنا وهي نلتقي نهاية كل أسبوع من يوم الخميس، أسبوع في منزلي، وأسبوع في مقهى، وأسبوع في منزلها، وأسبوع في مقهى. اليوم  في المقهى كان  حديثنا عن الجنة، وأننا سنجد العوض الجميل فيها ،عن كل ألم وحزن، وأن الله يفعل بنا ما يشاء، وليس علينا إلا الصبر والرضا.

حدثتها أن في الجنة نأخذ ذاكرتنا في الدنيا، وسنتذكر تلك اللحظات التي نجلسها في هذا المقهى. عندما هممنا بالخروج، وجدنا في المقهى شجرة يعلق عليها الزوار ذكرياتهم. طلبت ظرفًا، وكتبت عبارتها وختمتها بتوقيع المها و الوصايف، وضحكت أن الأسماء ما زالت صامدة كل تلك السنوات!

 

# تقول لي أختي  عندما شاهدت مسلسل شارع الأعشى ورأيت عزيزة ذكرتني بك وبأشرطتك ومجلاتك واهتماماتك في ذلك الوقت

 

الخميس 

1448/2/30

13/8/2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Scroll to Top