جاءت ذكرى رحيلك يا أمي وأنا أجر جسداً معلولاً أمسكه ألا يفلت مني! وروحاً ما زالت محلقة طموحة لكنها تزهق وقد وصلت لرمق الأخير من التعب! منذ بدأ العام الجديد وأنا أقاتل يا أمي كل آلام الجسد والروح، حاولت فعل الكثير لأنشغل عن هذا التعب، كتبت، قرأت، حاورت، ابتعدت عن كل ما يحزنني .. إلــخ ما فعلته، لكن التعب هذه المرة شديد على روحي. اليوم يا أمي، في ذكرى رحيلك، شعرت بالحزن لرحيلك بعمر الستين، كان لديك أربعون عاماً كان بإمكانك الوصول لها، لكن قدر الله حاكم. عزيت نفسي أن رسول الله مات بعمر الستين، وقال (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين)، وأخذت أفكر بأولئك الذين جاءوا إلى الدنيا ورحلوا سريعاً، حتى دون أعمال كثيرة! ورضيت بعمر رحيلك، لكن ظهرت فكرة في عقلي وشعرت أن روحي تزهق معها، هل سأصل لعمر أجدادي الذين بلغوا التسعين أو حتى لعمرك؟ لا أعلم يا أمي، شعرت أن هذا العمر طويل وطويل جداً على روحي المتعبة، وأنا في عز شبابي لا أريد تلك السنوات الطوال، يكفي ما عشته، لا أريد أن أرحل اليوم، لكن كرهت فكرة بقائي لزمن أطول في هذه الدنيا المؤلمة!
أمام هذه الأفكار وهذا التعب شعرت أن روحي تزهق، ضممت يديّ إلى صدري وأخذت أكرر (لا حول ولا قوة إلا بالله)، لأن الله أقوى من هذا التعب، أقوى من كل شيء ، وما إن بدأت حتى سيطر علي النعاس، وأنا أكرهه، هذا النعاس الذي يكبلني، لا أنا أنام لأرتاح، ولا أقوم لأنشغل. وأمام هذا الضغط الشديد الذي أتعب روحي أكثر، فرشت سجادتي وأخذت أصلي طوال الليل وأدعو الله، وشعرت أن روحي هدأت، وحاولت أن أمارس بعض الأشياء التي أحبها، لكن حادثتني شقيقتي باكية وقد عاد لها تعبها، وشعرت بكل الآلام بروحي، أتعب أنا يا أمي ولا يتعب أشقائي، الآن أموت مرتين، بين تعبهم وتعبّي. تساورني منذ بدأ هذا العام مشاعر الاستسلام، قاتلت بما فيه الكفاية يا أمي، لماذا علينا أن نظهر أننا شجعان وأقوياء، وربما في الاستسلام راحتنا!
في ذكرى رحيلك القادمة يا أمي، لا أعلم كيف سيكون حالي، هل سأكون استسلمت، أم ما زلت أكافح وجع الحياة، ووجع جسدي وروحي، أم رحمة الله حلت علي، وعلى أشقائي، وعلى كل موجوع يتألم، لتمضي بنا الحياة دون ألم أو حزن!


