مذكرات/ على عتبات الألم نحن نتعلم! (3)

 

 

هل ضربني يومًا أبي؟! نعم، ضربني أبي مرتين! المرة الأولى كانت بعمر الثانية عشرة تقريبًا، وكان الوقت نهار رمضان، وقد أرسلتني أمي لأحضر الأغراض التي وضعها سائق توصيل السوبرماركت عند الباب. وعندما خرجت لفناء منزلنا، رأيت دراجة أخي، وخطر في نفسي أن أتدرب على ركوبها، ومع محاولاتي تمكنت من القيادة، وما إن ثبت نفسي وأتيت مسرعة من الفناء الخلفي إلى الأمامي، إلا ويخرج أبي في وجهي قادمًا من الخارج! رأيته أو لم أره، رميت بالدراجة وهربت! ولم أهرب إلا مرتين في حياتي! مرة من القمر! ومرة من أبي!

أخذت أركض بأسرع ما معي 😂 وأبي يركض خلفي 😂 😂  ولأن في بيتنا فناءين، وأستطيع أن أدور على منزلنا، كان أبي خاسرًا في هذه (الركضة) 😂  كلما خرج لي من مكان، هربت إلى الآخر! العجيب، وأنا أركض، تنبهت أنني أول مرة أرى والدي يركض! أبي ذلك المهاب يركض!!

أدرك أبي أنه لن يستطيع الإمساك بي، وقرر أن يترك لي مدخل البيت حتى أدخل، وعندها يستطيع أن يمسك بي! وفعلاً دخلت البيت، وعقلي قال لي أن أذهب وأختبئ خلف معلاق الملابس! لعل أبي اكتشف مكاني من أنفاسي التي كنت أحاول أن أخفيها، ما إن رفع أبي الملابس إلا ووجدني. لم أترج والدي لعدم ضربي، كان لدي هذا الكبرياء الذي يقول له: اضربني، لست خائفة منك، وإن كنت خائفة! صفعني والدي تلك الصفعة التي جعلت رأسي يصطدم بالجدار 😂 وتركني وذهب!

في قرارة نفسي حمدت ربي أنها استقرت على صفعة! لأني رأيت والدي يضرب إخواني بالسوط، وهي المرة الثانية التي ضربني فيها، والمرة الأولى لإخواني، حادثوا جيراننا الذين يسكنون بالقرب منا، وجدارهم على جدارنا، وكانوا من قبيلة أخرى، على والدي في مقر عمله، وأخبروه أن إخواني يدقون الجرس ويهربون! هذا الفعل في قوانين أبي من الكبائر التي لا تُغتفر، أذية الجيران!

عاد أبي في الحال، وجمع إخواني من الحارة، والذين يجهلون سبب تجميع أبي لهم، وأدخلهم البيت، وأخذ يضربهم، ولم يسمع منهم أو حتى يتأكد! طوال ما كان يضربهم، كان يقول: ما بقي إلا تزعجون الجيران، وتدقون جرسهم! وهم يقسمون أنهم لم يزعجوهم، وأنه فلان الذي كان يدق جرسهم، وصادف وقوفنا قريبًا من بيتنا، ولم يشاهدوا إلا نحن. أبي لم يصدق!

وهو يضرب إخواني، رحمتهم وقلت لأبي: (يبه لا تضرب إخواني!)، جرني أبي وأعطاني تلك الضربة! (ضربة واحدة) هل كان رافضًا لتدخلي، ويراه جرأة تستحق العقاب؟ أو قال: من العدل أن أضربها معهم 😂

ليس من عادة أبي الضرب، ولم يضربنا في حياته إلا تلك الضربات، حتى والدتي، رغم أن طبيعتها تتسم بالعصبية، لم تضربنا يومًا! لم نسمع الكلام القبيح يومًا من أبي وأمي تجاهنا، أو حتى في منزلنا. وأشد ما كان يقوله أبي عندما يعصب من شخص، وهذا نادر، أن يقول: “حِيوان”، وكان يقولها بلهجته البدوية بكسر الحاء، دون أي ضمائر أو أسماء إشارة، وكنا لا نعلم من الحيوان الذي أغضب أبي! حتى لو كنا نقف أمامه!

حتى بعد تعب أبي ومكثه في البيت، عندما يسمع أصواتنا تعلو، ينادي بأعلى صوته ويقول لنا: لا تخلوني أحط (عباس على دباس) 😂😂😂 العجيب أن قروب إخواني الآن مسمينه (عباس ودباس) كذكرى لكلمة أبي، رحمه الله 😢

قد يتساءل شخص: لماذا ضربني أبي على ركوب الدراجة؟! لأن خطيب المسجد خطب بهم حول منع الفتيات من ركوب الدراجات، وذكر منها أسبابًا أرعبت أبي!

عندما أتذكر تلك الضربة، كثيرًا ما أضحك منها، وخاصة هروبي! لماذا هربت؟ لماذا أعطيت أبي شعورًا بأني غلطانة، وأعطيته مؤشرًا ليركض معي مباشرة؟! لو وقفت، ربما والدي قال لي كعادته: (وأنا أبوك، السياكل ما يركبونها البنات)، وانتهى الأمر!

بعض الأحيان نحن نساعد الآخرين على أذيتنا!

كان أبي، رحمه الله، ينتمي لعائلة أشبه بالعائلة الأرستقراطية، لديهم الجدية التامة في أفعالهم، ولا يظهرون مشاعرهم بسهولة، ولا يعترفون بالأحضان أو المشاعر الكلامية! يترجمون الحب بأفعالهم. لديهم الاحترام مقدس، لا يتخبطون بأحاديثهم، بل ليس لديهم ترف الحديث! فكل أحاديثهم محسوبة وموزونة، ويندر أن تحدث منهم أخطاء، لأن لديهم هذا الترقب والحرص تجاه أفعالهم! من شدة حرصهم ، كان أبي يستحيل أن يسترخي أو ينام بيننا، أو حتى يمد رجليه، وكان كثيرًا ما يردد لنا: (لا تنام وسط جالسين، ولا تجلس وسط نائمين) (طبعًا أنا ضد هذا القول)، سأفعل كل تلك الأفعال وسط من أحبهم وأمون عليهم!

كثيرًا ما أسمع في فضاء عالم الإنترنت يقولون عن الرجل السعودي: (أبو سروال و فانيلة)، وفي حياتي لم أر والدي يمشي بيننا، أو يجلس بهذا السروال أو الفانيلة، بل دشداشة النوم التي تلبس في البيت، من سابع المستحيلات أن يجلس بها بيننا! مجرد أن يستيقظ يلبس ثوبه.

وأخذ إخواني من أبي هذه الصفة: عدم الجلوس أو المشي بسروال و فانيلة. من سيعرف أعمامي سيحبهم، وستكون لديه رغبة أن تستمر علاقته معهم، لأن لديهم ذلك التقدير المبجل، والاحترام، والكاريزما الحاضرة بقوة شخصياتهم ورزانتهم.

يختلف أخوالي عن أعمامي، وإن كانت جدتي والدة أمي من نفس العائلة وتحمل نفس الطباع! يتميز أخوالي بالرحمة والحنان الفياض، لديهم الاحترام والأدب، لكن مقرونًا بالعاطفة الجياشة، حتى لو كنت كبيرًا، سيأخذونك بينهم بالأحضان! من يراهم أول مرة سيظن أنه يعرفهم منذ زمن، وسيجد نفسه يمون عليهم بسهولة، بعكس أعمامي، تبقى شخصياتهم مهابة!

عند أخوالي تجد المزاح والضحك حاضرًا طوال الجلسة، بعكس والدي وأعمامي، تضحك بقدر ما يستدعي الحال، والإكثار منه ينتقد!

عندما كنت طفلة صغيرة وذهبت لأخوالي في الحجاز، كان أول ما لفتني أن الخادمة تجلس معنا على سفرة الطعام وتأكل معنا، وكذلك السائقون يلبسهم أخوالي ثيابًا سعودية، ويجلسون معهم في مجالسهم كأنهم من أفراد العائلة!

يحسن والدي وأعمامي من تعامل الخدم، بل ويكرمونهم، لكن يضعون حدودًا بينهم، بعكس أخوالي

لذلك أشعر أنني اكتسبت هذا المزيج من أعمامي وأخوالي: لدي هذه الجدية والحرص على النفس وتهذيبها وصونها، ولدي هذه الرحمة والحنان وحضور الضحك. لذلك من يرى جديتي فقط قد لا تعجبه شخصيتي، وسأكون محل نقده! ومن سيعرفني على وجه الخصوص سيرى شخصيتي مختلفة

مثل خالي، كان خالي عميدًا ويقود منصبًا قياديًا في الدولة، وكان جدي في عمله (ما عنده يمه ارحميني)، لكن له شخصية مختلفة تمامًا في حياته العامة البعيدة عن العمل، قد لا يصدقها من كانوا يعملون تحت قيادته، فهو رحيم، حنون، مسالم جدًا، متدين بطبعه، رغم أنه لا يربي شعرة واحدة في وجهه! منذ أن كان طفلًا صغيرًا محافظ على صلاته في المسجد، وكثيرًا ما يعتكف في مكة والمدينة، ويصوم، ويتابع المباريات ومتعصب للأهلي، ويشاهد الأفلام، ويشارك في اللعب إذا استهوته اللعبة

لديه شخصية مختلفة تمامًا عن عمله، لذلك كثيرًا ما أشعر أنني أشبه خالي هذا

لذلك كان لأبي تلك الشخصية المهابة، عندما يدخل علينا من الباب كنا نعد أنفاسنا 😂 وأمي زادت من كتم أنفاسنا 😂 😂 لأن راحة أبي مقدمة على كل شيء، إذا دخل أبي علينا من الباب، ومر أحد من منزلنا، يظن أن لا أحد يسكن في هذا المنزل من شدة الهدوء!

لذلك كنا نعد الدقائق والساعات متى يذهب أبي لأعماله حتى نمارس كل ما نريد، وأذكر أنني وأشقائي، وكذلك أمي، نراقب سيارة أبي تتحرك بعد صلاة العصر، كان من عادة أبي أن يذهب للمسجد مشيًا طلبًا للأجر، وما إن يعود من صلاة العصر ويركب سيارته ذاهبًا إلى أعماله، حينها ننطلق في ممارسة كل شيء

كانت أمي تخرج للجارات، وقد أعطى أبي أمي إذنًا مفتوحًا لتذهب للجارات وتعطيهن من منزلنا ما يطلبن، لكن حرصها أن ترى والدي يذهب، لربما يعود يريد شيئًا يذهب أشقائي للعب في الحارة، وأنا أستمع لأغاني، وأقوم بالأعمال التي طلبت مني أمي أن أفعلها ، وأمارس كل الأشياء التي أحبها!

تعود أمي عند المغرب، وكذلك أشقائي، وتعد أمي وجبة العشاء، ويحضر أبي الساعة التاسعة مساءً، نتعشى، والساعة العاشرة الكل ينام.

هل كان لدي عتب على والدي ووالدتي وأنا صغيرة؟

هذا ما سأقوله في التدوينة القادمة إن شاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

Scroll to Top