عندما بدأ رمضان هذا العام، تذكرت تلك الفتاة التي حادثتني رمضان قبل العام، واستولى على عقلي مفهوم الطمأنينة؟! هل الطمأنينة شعور كامل؟ أم نطمئن في جوانب، ونقلق في جوانب؟ هل هو اطمئنان دائم أم مؤقت؟ هل ما توصلت إليه من قناعات يصل بك إلى مرحلة الاطمئنان الكامل؟ والذي معه تضع ختمًا، تقول هنا أخذت ختم الاطمئنان؟ وهنا لم أزل أبحث عن الاطمئنان؟ في رمضان قبل العام، وأنا أصف لصلاة التراويح سألتني تلك الفتاة، كيف يفعل من لم يصلي العشاء والإمام بدأ التراويح؟ شرحت لها المسألة وكبر الإمام، وصلينا معه، من الغد عندما سلمت عن يميني، وجدتها تصلي بجانبي وما إن نظرت إليها إلا وباغتتني قائلة، أنا أحب الله وأجتهد في الصلوات لكن أقصر، وأخذت تدافع دموعها التي انسكبت، لم أستطع قول شيء لها لأن الإمام كبر، قلت لها، بعدما تنتهي الصلاة سنتحدث، وبعدما انتهى الإمام من الصلاة جلست لاستمع لشكوها، لكن بعد دقائق أغلقت أنوار المسجد، ودعوتها أن تذهب معي لمنزلنا لكنها رفضت، وبقيت أنا وهي من بعد صلاة التراويح إلى الساعة الواحدة ليلًا في حديقة الحي الذي أمام منزلنا، تحكي لي عن مخاوفها الدينية، والتي يغلب أن فيها معلومات مغلوطة، وعن والدتها التي تخلت عنهما، وقطعت علاقتها معهما، وعن أبيها وهو المسؤول الرئيسي عن تعاستهما، وعن زوجها وخياناته، وعن أطفالها الأربعة وأحدهم يعاني إعاقة حركية وذهنية، وهي متحملة لكل المسؤوليات! عندما كانت تتحدث، كانت تذكرني بنفسي خاصة في المخاوف الدينية، صحيح أن كل له معاناته على اختلافها، لكن كنت أنا قطعت شوطًا كبيرًا مع الألم، وهي في بدايته، وإن كنت تظن أن المعاناة والألم ينتهيان فأنت واهم! وكل ما قطعت مرحلة ستكون المرحلة التي بعدها أصعب، لكنك مع الوقت تملك أدوات مساعدة! وتحتاج إلى أدوات أخرى تجعلك تنتقل من مرحلة إلى مرحلة بنجاح! عندما يلتفت الإنسان للوراء قد يضحك على نفسه وأفكاره التي ازدحمت، وكانت أتفه من أن تحتل عقله! وكيف ضخمتها تلك النفس! وبين أفكار كانت شديدة القسوة، يشعر الإنسان بالامتنان لنفسه لأنها صبرت وكافحت ولم تنهار! وبين أفكار يشفق الإنسان على نفسه فيها ويحزن كيف تشظت تلك النفس وتغيرت فيها كثيرًا كثيرا! عندما أعود لحياتي قبل الثامنة عشرة من عمري، كانت تتسم بالهدوء، لم يكن فيها ما يقلقني، أشياء لا تعد شيئًا أمام ما حدث لي في باقي حياتي! لو كنت سأذكر موقفًا غير شيء من حياتي، فهو عندما كنت بعمر الرابعة عشرة، عندما كنت أجتمع مع بنات حارتنا من قريباتي في “الويكند”، وبدأت أشعر أنه عندما أجتمع معهن يذهبن للغرفة الأخرى ويتركنني مع إحداهن، أو هي الأخرى تلحق بهن، وأجلس لوحدي، كنت أنتظرهن ربع ساعة، نصف ساعة، ثم يأتين، وقد تكون تلك الجمعة طوال الوقت على هذا الشكل، أناس يأتون، وأناس يذهبون. كنت دائمًا ما أستشعر ذلك وأقول في نفسي، لعل وجودي يضايقهن! ثم أعاتب نفسي على مثل تلك الأفكار! لكن يوم كنت قد جئت إليهن، وكان متعارف لدينا في (الويكند) الاجتماع دون مكالمات، وما إن دخلت عليهن وكن يتجهزن للذهاب إلى بيت قريبتي الذي بجانب بيتهن، قالوا لي، نحن سنذهب إلى بيت فلانة، وكانت هذه فلانة قريبتي أيضًا، قلت، لا بأس، سأذهب معكن قلن لي، سوف نحادثها ونقول لها أنك ستأتين، وحادثنها وأنا أستمع، قالت، لا.. لاتحضر! عدت أدراجي إلى بيتنا، ووقتها تأكدت لي شكوكي! هل تصرفهن نابع من كراهية لي؟ أبدًا، لم أشك يومًا في ذلك، وكانت نفسي رغم صغر سني تقرأ المشهد جيدًا! كن أكبر مني عمرًا، أعمارهن ما بين الثامنة عشرة، والسادسة عشرة، وكنت أنا أصغرهن، وكانت طبيعتي تتسم بالبراءة في جوانب المراهقة، لذلك كنت أشكل تهديدًا لخفايا المراهقات في عالمهن، وما زاد من هذا الشعور لديهن أن أمهاتهن بنات (الفخذ الواحد)، أما أمي فكانت تنتمي لفخذ آخر، وإن كانت ابنة عمتهن! وهذه التقسيمات العنصرية تمشي في العروق في العالم والمجتمعات! كل يرى نفسه شعب الله المختار! أبناء الجد الواحد (يتعنصرون) ما بينهم، وفخذنا أفضل من فخذكم! قبيلتنا أفضل من قبيلتكم، مدينتنا أفضل من مدينتكم، بلدنا أفضل من بلدكم.. إلخ. العنصرية في العالم أجمع! من بعد ذلك الموقف قطعت علاقتي بجمعاتهن، بل وقطعت علاقتي بالحارة كلها! كنت عادة ما أختلط بهن أسبوعيًا أو بعد ثلاثة أسابيع ولا أتعداها، لكن بعد ذلك الموقف أصبحت بعد ثلاثة أشهر، أربعة أشهر، أزورهم وفي الجمعات الكبيرة، ولا أطيل المكث ساعتين أو ثلاثة وأعود إلى بيتنا، وحقيقة هذه أسوأ صفاتي، “أن تهان كرامتي”، لو تأكدت لي شكوكي تجاه أمر ما، لو قرضوني بالمقاريض، لا أعود أبدًا! ليست لدي هذه النفس التي تسيء كل أفعال الناس، وتحملها دائمًا على محمل السوء، أبدًا، من فضل الله ليست لدي تلك النفس، وإن حدث وقرأت نفسي حدثًا سيئًا كثيرًا ما أعاتب نفسي على سوء ظنها! وكثيرًا ما تثبت لي نفسي صدق أحاسيسها! ولدي طول نفس في تأمل الناس سنوات طويلة تجاه أفعالهم تجاهي، وإن ثبت لي صدق شكوكي تحكم نفسي بالإعدام عليهم! العجيب من نفسي أنها لا تحقد ولديها ذلك التسامح، وربما ألتقيهم وأجلس معهم وأحسن ضيافتهم، لكن نفسي تطلقهم روحياً ويستحيل أن أعود لهم أو يعودون لي! ارتباطي بالحارة كان أقل من ارتباطي بصديقاتي وأسبابي للارتباط بهم؟ أنني كنت البنت الوحيدة وسط ثمان ذكور، وكان لدي أختان من والدي، وكن أكبر مني سنًا ومتزوجات، أكبر أخواتي كانت بعمر والدتي، والثانية قريبة منها، ولدي شقيقة صغيرة في ذلك الوقت، قبل أن تأتي شقيقتي الأخرى، لذلك كنت أحرص على الاختلاط بهم!
هل حطمني هذا الموقف؟
هذا ما سأذكره في تدوينة أخرى لأنني لا أريد أن يمل القارئ من طول التدوينات
*تنتابني في الوقت الراهن مزاجية الكاتب، ربما أكتب شيئًا وأحذفه، ربما أكمل هذه التدوينة والتي بعدها ثم أتوقف، ربما أضيف أشياء على التدوينة، ربما أحذف أشياء، ربما أعدل أشياء. لا أعلم، كل ما أريد قوله في تلك التدوينات سيكون رهن الحالة النفسية الحالية!
حرر/ الأحد،5،4،2026
الساعة 9/21 صباحاً


