أحزنني ذلك الموقف بلا شك، وخاصة أنني وحيدة دون شقيقات قريبات من عمري، وخاصة مع انشغال والدي ووالدتي، وحقيقة أنه لم يحطمني لسببين: الأول وهو الأساس وله النصيب الأكبر، كانت لدي ثقة في نفسي ما زلت متمسكة بها حتى لحظة كتابتي هذه التدوينة ولم تهتز يومًا! الحمد لله، وهذا الشيء لا يعتمد على ما لدي من قدرات، بل قدراتي تأتي في المرحلة الثانية، هذا الشيء هو شعور الصدق، دائمًا ما كنت أشعر أن الله مع الصادقين! كنت صادقة مع نفسي، وصادقة في محبتي للناس ولم أنوِ بهم يومًا أذية، لذلك عندما يؤذونني كنت أعلم أن الله يرى صدقي معهم، حتى لو بدر مني خطأ أعلم أن الله يعلم أنني لم أقصده! لذلك الصدق ركيزة قوية في بناء النفس!
هذا الشعور المطمئن كان يبعث في نفسي الثقة! الأمر الثاني كانت ثقتي تستمد بعد الله، بما لدي من قدرات، أنا من الشخصيات التي لو أغلقوا عليها الباب، لن تجلس تبكي وتندب حظها! بل من يأتي بعد لحظات سيرى أنني غيرت الغرفة، وبحثت عن شيء أنشغل فيه، وأبتكر شيء من لا شيء! كنت قد بدأت أقرأ، وأمارس الكتابة، وأستمع للراديو؛ شكل الراديو الشيء الكثير لدي، مع مشاهداتي للتلفاز، وممارسة هوايتي الرسم والأعمال الفنية، وأيضًا كنت منشغلة بتصميم فساتيني وملابسي، ومعرفة كل جديد في عالم التجميل.
من حسن حظي كانت لدينا في الحارة سوبرماركت كبيرة كان صاحبها لبناني يحمل الجنسية السعودية، وكان هناك زاوية تمتلئ بكل الجرائد والمجلات، وكنت أشتري المجلات الفنية والشعرية. لذلك كان وقتي مزدحمًا بين دراستي، ومساعدة والدتي في المنزل وتربية أشقائي، ومع ممارسة ما أحب، لذلك لم يؤثر علي بعدي عن الحارة إلا بشكل إيجابي!
قد يقول قائل: فهمنا سبب تركك لجمعة البنات تلك، لكن ما سبب عزلتك عن الحارة؟ حارتنا كانت حارة كبيرة استوطن بها الكثير من قرابتنا من مختلف الدرجات مع الجيران الذين سكنوا بالقرب منا، كانت أمي جميلة، تجيد فنون الطبخ، وكانت الوحيدة في الحارة التي رفضت دخول الخادمات في بيتها، ربما كان لوساوس أمي دخل في الأمر، وربما كانت أمي تحاول أن تثير إعجاب أبي بأنها امرأة قادرة على فعل كل شيء لوحدها، خاصة أنها كانت صغيرة في السن عندما تزوجت والدي، وكانت بعمر السادسة عشرة، ووالدي بالأربعين من عمره! وأشهد الله أن أمي فعلت كل شيء لنا بشكل مذهل، ولم تستعن بالخادمات حتى تعبت، لذلك كانت مصدر إعجاب خاصة من رجالات حارتنا الذين يضربون بها المثل لزوجاتهم،
كانت أمي معروفة بنفسها الطيب في الأكل، وتطبخ ما لذ وطاب، وعندما يعد والدي الولائم، من لا يأتي يطلب من زوجته أن تحضر له من تلك الوليمة! لذلك هذا الشيء صنع لأمي أعداء! أيضًا كانت أمي تتميز بصراحتها ولم تغلف أحاديثها بأي أغلفة! تقول كل ما تريد قوله دون تحفظ وبصراحة متناهية! أظن أن الله لم يسجل لأمي ذنب أي غيبة (وصف على سبيل المبالغة!) لأنها كانت تقول للناس في وجههم ما تقوله خلفهم! وأنا أعترف أن هذه من عيوب أمي التي لا أحبها، وكثيرًا ما كنت أتناقش معها حول هذا الأمر. الناس لا يحبون الآراء الصريحة، ويتضايقون منها، خاصة ما يتعلق بأشخاصهم. أمي لم تكن لديها نوايا سيئة تجاه آرائها، فهي تقولها بحسن نية، وكما أنها تقول الشيء السيء في الناس أو الرأي الذي لا يعجبهم، كانت تمتدحهم إذا أعجبها شيء فيهم، وتؤيد آرائهم الجميلة. لذلك صراحة أمي وما تحمله من مميزات خلقت لها أعداء!
من عجيب شخصية أمي أنها لم تدخل في مشاكل تسبب قطيعة في حياتها بحكم أنها صريحة! تقول رأيها وتمضي، حتى وإن كان البعض متضايقًا! مجرد أن تذهب وتنام، تنسى كل شيء! وتعود لهم من الغد وكأن شيئًا لم يكن!
أمي مختلفة عني في هذه الجزئية ، أنا شخص متسامح، لكن لا أبقى في المكان الذي أشعر فيه أن أحدًا متضايق مني أو أنني متضايقة منه!
رحلت أمي وهي تحب الناس، وتثق أن الجميع يحبها، رغم أن الحقيقة أن هناك من لا يحبها وسلبها حياتها!
أيضًا في الحارة كان هناك أناس مثل البلسم، ومثلما أن هناك أناس مثل البلسم كان هناك أناس مثل العلقم! كانت هناك شخصية تكثر الصلاة، وتطيل التسبيح بعد الصلاة! قلبها مثل “القار الأسود!” مليء بالحسد! سلطتها الدينية كانت تجعل الحمقى والذين بلا شخصية يتبعونها! والدتي كانت مستقلة بشخصيتها وكثيرًا ما تتصادم مع هذه الشخصية، خاصة فيما يتعلق بالناس، لا يعجب والدتي أن تتحدث عن الناس وترى نفسها أفضل منهم، لذلك كان ينالني شيء من تلك العداوات! مواقف كثيرة كانت تحدث لي من قبل تلك المجموعة، لذلك بعد الموقف اخترت الابتعاد، وكان بالنسبة لي أفضل قرار اتخذته في مراهقتي.
كان بيتنا يتسم بالهدوء، كانت أمي تقوم بواجباتها على أكمل وجه، وكذلك كان أبي، أتذكر أمي كانت تخبر أبي قبل انتهاء خضار البيت بأيام، ودون جدل كان أبي يحدد يوم الخميس بعد شروق الشمس ليذهب لسوق الخضار، والذي كان إجازة في ذلك الوقت، وكنا نقول له أننا نريد الذهاب معه، وكان أبي كعادته يوقظنا لصلاة الفجر، إذا كان اليوم الذي سنذهب فيه لسوق الخضار، يقول لنا: “تجهزوا، سنذهب بعد الشروق.” كانت أجمل الطلعات على بساطتها!
عندما نذهب لسوق الخضار، كان أبي يشتري كل شيء ولا يترك شيئًا لا يشتريه! حتى جوز الهند بشكله الكامل والأناناس، وعند قسم الدواجن لا يكتفي أبي بإحضار الدجاج الكامل، بل معه صحون الأفخاذ والصدر والسمان مع الذبيحة التي يشتريها. كانت أمي تشتكي من كثرة ما يشتريه والدي، وأن الثلاجات لا يوجد بها مكان لكل ذلك، لذلك كانت توزع على الجارات
كان أبي في يوم غير يوم الخضار يذهب لسوق الجملة ويشتري كل الأشياء بالكراتين، حتى حليب السائل بالكرتون، تلك الأشياء بالجملة تبقى لدينا بالشهور حتى تنتهي. وقد فتح لنا أبي حسابًا في سوبرماركت الحي لنشتري منه ما نريد، ونهاية الشهر يأتي ليسددها. حتى العسل كان يطلبه من اليمن لنا “جيك” الثلاثة كيلو يكلفه ثلاثة آلاف. وعندما يأتي الشتاء كل عام، يشتري لنا بطانيات جديدة مع ملابس الشتاء، المدارس، والأعياد.
كان أبي كريمًا جدًا جدًا، ولم يمر علي أحد في حياتي مثل كرمه! عندما كانت أمي تسافر لخوالي يعطيها الأموال لتشتري الهدايا لكل أفراد عائلتها، فتذهب والدتي محملة بشنط فقط فيها هدايا، ومع ما يضعه في يدها من أموال، وعندما كان يزور أبي أحد من قرابته، لا يخرجون إلا وقد وضع في أيديهم خمسة آلاف، أو ثلاثة آلاف، لا يقدم القليل بل يجود بالكثير. كثيرًا عندما أقرأ في عالم الإنترنت عن تعاملات الآباء والأمهات وأن بعض الآباء كان يحسب اللقمة على أبناءه، كان أبي يجود علينا بأفضل الأشياء، ولا يرضى إلا بالأفضل! وكان لأبي كلمة يقولها: “إذا بغيت تزني، ازن بحر!” وهي من العبارات التي تعبر عن أنه عليك اختيار أفضل الأشياء! طبعًا هذه العبارة لا تجوز
هل ضربني يومًا أبي؟
هذا ما سأخبركم به في التدوينة القادمة
& أستطيع جمع ما كان يشتريه والدي لنا باسم أغراض البيت، لكن ذكري لتلك التفاصيل الدقيقة حتى أبين كيف كان كرم والدي رحمه الله
حرر/ الخميس،9،4،2026
الساعة 9 صباحاً

