شاهدتُ مقطعًا لمطاردة فأر، وهذا المقطع فتح بابًا للذكريات!
في يومٍ سمعت أمي ـ رحمها الله ـ صراخنا، وأخذت تنادي من غرفتها: ما بكم؟! فقلت لها: يوجد فأر في البيت. فابتسمت وقالت: فأر! ثم مشت بتثاقل، وجاءت إلى منتصف البيت، وطلبت كرسيًا وجلست عليه، ثم قالت: هيا أخرجوه. لتبدأ مطاردة الفأر من قبل الخادمة، ولم يكن للموجودين سوى القفز والصراخ والهرب من هذا الفأر! أما أمي ،رحمها الله، فلم يكن لها سوى الضحك من كل قلبها على هذه “الفعالية” التي أسعدتها!
وفي اليوم التالي، وأثناء قهوة المغرب، قالت: ألا يأتينا فأر يضحكنا؟! تمنيتُ لو كان بمقدوري أن أجمع كل الفئران لتسعد أمي!
وعندما قررنا السفر إلى خوالي هذه المرة، طلبت أمي ـ رحمها الله ـ أن يكون السفر بالسيارة؛ لأنها تريد أن تمد نظرها وتشاهد الطريق. وعندما اقتربنا من مكة، استأجرنا غرفة للاستراحة وتناول الغداء قبل أن نؤدي مناسك العمرة، ثم نتجه بعدها إلى مدينة جدة. وبينما نحن ننتظر الغداء، خرج لنا صرصار في الغرفة! وكان أبناء أخي أشد خوفًا وذهولًا عند مشاهدة هذا الصرصار، الذي لم يعرفوه من قبل، وكانت تلك أول مرة يشاهدونه في حياتهم! أما أمي ـرحمها الله ـ فلم يكن لها سوى الضحك من مشاهد الخوف، ووجدت حديثًا ممتعًا تشرح فيه لأحفادها معلومات عن هذا الصرصار!
وعندما خرج الفأر، كانت لأمي ـ رحمها الله ـ أمنية أن يكون أحفادها حاضرين ليشاهدوا هذا الفأر، وكانت متأكدة أنهم سيذهلون عند رؤيته! وبعد مدة زارنا فأر آخر، وكانت سعادة أمي ـ رحمها الله ـ لا توصف، فقد أضحكها من كل قلبها، وكان الضحك مضاعفًا عندما كان أحفادها حاضرين!
كانت الأفكار تتلاحق في رأسي بين سبب وجود الفئران في بيتنا، وبين التفكير في هذا الفأر الزائر وضحك أمي. أما سبب ظهورها في بيتنا، فقد علمت أن الأحياء الجديدة، حين تكون البيوت فيها قيد البناء، تنتشر فيها الفئران بسبب حفر الأتربة، ثم تهرب بعد ذلك.
أما الضحك، فقد توقفت طويلًا أمام الأشياء البسيطة والتافهة التي ربما تستطيع أن تغير أمزجتنا وتدخل السرور علينا! فأرٌ كان بمقدوره أن يضحك أمي ـ رحمها الله ـ حتى تكاد أنفاسها تضيع، ويحمر وجهها، وتتسع أضلاعها! وكانت تتمنى في كل مرة أن يزورنا فأر!
يعلم الله ما بك من حزن وضيق، فيبعث لك من مخلوقاته البسيطة ما يسعد قلبك. تساءلت كثيرًا حول فلسفة الضحك! لماذا يعز عليك الضحك، ويندر أن تجد ما يضحكك من كل قلبك في هذا الزمن؟ ولماذا قد يضحكك تعليقٌ عابر في مقطع على اليوتيوب من كل قلبك، وأنت غارق في الحزن؟!
هل لشخصياتنا دخل في عدم التقاطنا لمؤشرات الضحك، بينما العالم يضج بما قد يجعلنا نضحك؟!
وهل لجديتنا وطريقتنا في التعامل مع الأشياء دور في ذلك؟!
فأنت تطالب الطرفة أو الموقف بأن يقنعك أكثر بأسباب ضحكك منه، بينما الأمر لا يستحق كل هذا؟!
ولو قسمتُ الضحك لكان على ثلاثة أقسام:
الأول: أشياء ربما تبتسم لها، وتخرج صوتًا يشبه الضحك، لكنك لا تجد روحك قد سعدت معها، ولا تشعر بأن أضلاعك قد اتسعت! (دائمًا)
الثاني: أشياء ربما تبتسم لها، وتخرج صوتًا يشبه الضحك، وتجد روحك قد سعدت معها! (أحيانًا)
الثالث: أشياء ربما تبتسم لها، وتخرج صوتًا يشبه الضحك، فتجد روحك قد سعدت معها، واتسعت أضلاعك! (نادرًا)
هل جربت يومًا أن يحكي صديق أو قريب “سالفة”، فتجد نفسك قد ضحكت من كل قلبك عليها؟! لدرجة تجعلك تطلب منه أن يعيدها، أو تستمر في النقاش حولها حتى لا ينتهي ذلك الشعور الجميل! فتذهب وأنت تحمل في صدرك شعورًا دافئًا ومبهجًا.
هذا الشعور يدفعك للتساؤل:
كانت مجرد “سالفة” عادية، لكن لماذا ضحكت كل هذا الضحك؟!
لا تجد جوابًا واضحًا، لكنك تتمنى في كل مرة أن يعترض طريقك ما يضحكك ويبهج قلبك، ولو كان شيئًا تافهًا!
لذلك… أحتاج فأرًا ليضحكني!


